القرطبي

329

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيه سبع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( ومن يقتل ) ( من ) شرط ، وجوابه ( فجزاؤه ) وسيأتي . واختلف العلماء في صفة المتعمد في القتل ، فقال عطاء والنخعي وغيرهما : هو من قتل بحديدة كالسيف والخنجر وسنان الرمح ونحو ذلك من المشحوذ ( 1 ) [ المعد للقطع ( 2 ) ] أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقال الحجارة ونحوها . وقالت فرقة : المتعمد كل من قتل بحديدة كان القتل أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك ، وهذا قول الجمهور . الثانية - ذكر الله عز وجل في كتابه العمد والخطأ ولم يذكر شبه العمد وقد اختلف العلماء في القول به ، فقال ابن المنذر : أنكر ذلك مالك ، وقال : ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ . وذكره الخطابي أيضا عن مالك وزاد : وأما شبه العمد فلا نعرفه . قال أبو عمر : أنكر مالك والليث بن سعد شبه العمد ، فمن قتل عندهما بما لا يقتل مثله غالبا كالعضة واللطمة وضربة السوط والقضيب وشبه ذلك فإنه عمد وفيه القود . قال أبو عمر : وقال بقو لهما جماعة من الصحابة والتابعين . وذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن هذا كله شبه العمد . وقد ذكر عن مالك وقاله ابن وهب وجماعة من الصحابة والتابعين . قال ابن المنذر : وشبه العمد يعمل به عندنا . وممن أثبت شبه العمد الشعبي والحكم وحماد والنخعي وقتادة وسفيان الثري وأهل العراق والشافعي ، وروينا ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما . قلت : وهو الصحيح ، فإن الدماء أحق ما احتيط لها إذ الأصل صيانتها في أهبها ( 3 ) ، فلا تستباح إلا بأمر بين لا إشكال فيه ، وهذا فيه إشكال ، لأنه لما كان مترددا بين العمد والخطأ حكم له بشبه العمد ، فالضرب مقصود والقتل غير مقصود ، وإنما وقع بغير القصد فيسقط القود وتغلظ الدية . وبمثل هذا جاءت السنة ، روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها ) . وروى الدارقطني عن ابن عباس قال قال رسول

--> ( 1 ) في ط : المحدد . ( 2 ) زيادة عن ابن عطية . ( 3 ) الأهب ( ضمشين جمع الإهاب ) : الجلد .